جديد الأخبار
الرئيسية » حديث الصحوة » حيرة الرجل الأسود في البيت الأبيض

حيرة الرجل الأسود في البيت الأبيض

01

في أمثولة “الذئب والحمل” للأديب الفرنسي الشهير لافونتين، يروي لنا حكاية حمل يشرب من جدول ماء، جاءه الذئب مغضبا صارخا: كيف تجرؤ على تعكير الماء الذي أشرب منه؟

أجابه الحمل: كيف والماء ينحدر من عندك الي.

أردف الذئب: قد يكون صحيحا ولكن هل تذكر أنك شتمتني السنة الماضية؟

أجابه الحمل:  ولكني وليد هذه السنة.

فرد الذئب: إن لم تكن أنت فقد يكون أبوك أو أخوك أحد أقاربك.

هذه الأمثولة على بساطتها تلخّص كثيرا مما يحدث في النزاع الدموي بسوريا الشقيقة وتدحرج الأمور فيها الى ما يشبه الحرب الكونية بعد أن توعّدت الولايات المتحدة بأنها “لن تترك الهجوم الكيمياوي المزعوم على الغوطة الشرقية دون عقاب”، فتلفيق الأدلّة والتعتيم الاعلامي والخداع يبلغ مداه الأقصى، فكما رفض الذئب كل الحجج الجلية والواضحة والمعقولة التي ساقها الحمل، لأنه أصلا لم يكن يعنيه من الأمر سوى تهيئة “مبرّرات” لمهاجمة فريسته، لا يختلف الأمر كثيرا بالنسبة للولايات المتحدة التي سارعت باتهام النظام السوري بمسؤوليته على المجزرة المزعومة رغم الوثائق التي قدّمتها روسيا التي تورّط عصابات المعارضة والذين لهم سابقة في استعمال الاسلحة الكيميائية بخان العسل، وحتى قبل صدور التقرير النهائي للخبراء الأمميين، فهي تبحث عن مسوّغات وذرائع لحشد الدعم الداخلي والخارجي لها لتحضير مسرح العمليات للإعتداء عليها بعد أن أصبحت تمثل حجرة العثرة الوحيدة أمام مشروعها المتجدّد لإعادة تقسيم المنطقة لكنتونات ضعيفة ومهمّشة وفق “سايكس-بيكو” جديدة.

وبعد أن ظهر جون كيري متجهما والتأثر يعلو محياه كممثّل فاشل في فلم هوليودي ركيك، ليعلن تعاطفه مع الذين قضوا في الاعتداء وليشدّد أن لبلاده “مسؤولية أخلاقية وسياسية وقانونية” ومن حيث كونها الدولة العظمى لن تسمح بمرور الجريمة دون عقاب والا فإنها ستدفع مزيدا من الدول الى النسج على ذات المنوال،  وأشار الى أن مجلس الأمن مكبّل بالموقف الروسي في حين شدّد أن جامعة “العرب (؟)” والمؤتمر “الاسلامي (؟)”  وكثيرا من حلفائهم يشاركونهم القلق ويتقاسمون نفس الرأي بخصوص ما يجري ويؤيّدون إجراءات “تأديبية” كما أكّد امتلاكهم الأدلّة والحجج اللازمة التي  تورّط النظام، تبيّن فيما بعد أن مصدرها المخابرات الصهيونية، أما الرئيس باراك حسين أوباما، الحائز على جائزة نوبل للسلام سنة 2009، فبعد أن أرعد وأزبد وزمجر وجعل من نفسه المدعي والخصم والحكم متهما النظام بتجاوز الخطوط الحمر التي سطّرها، وجد نفسه وحيدا حيرانا بعد صفعة مجلس العموم البريطاني ورفضه طلب رئيس الوزراء ديفيد كامرون (للمرّة الأولى منذ سنة 1941 تتخذ بريطانيا موقفا مغايرا للموقف الأمريكي) وإحجام ألمانيا وامتناع ايطاليا وتلكؤ اسبانيا، رغم أن الضربة “التأديبية” كما روّج لها لن تكون مصحوبة بهجوم بري كما في أفغانستان والعراق، بل ستقتصر على هجمات صاروخية وجوية تطال نقاطا حيوية وتكون “جراحية” “تجميلية” تعيد التوازن على الأرض وتبلّغ النظام رسالة قوية !!!!، رأى من الأفضل له أن يرمي الملف برمّته الى الكونغرس علّه ينقذه من المأزق الذي وضع فيه نفسه.

حديث الأمريكان عن “الأخلاق والقانون” أصبح مزحة بذيئة مملّة ورديئة، فهذه الامبراطورية الاستعمارية التي لا تتوانى عن انتهاك أبسط حقوق الانسان وتجاوز مقرّرات مجلس الأمن والالتفاف عليها، والتي أقامت كيانها على جثث ملايين القتلى ولم تسلم من أذيتها بقعة من بقاع الأرض، تمتلك أكبر مخزون نووي وكيميائي في العالم، كما أنها الدولة الوحيدة التي التجأت للسلاح الذري في الحرب، ودون أن نعود بالذاكرة بعيدا الى حرب الفيتنام حيث أمطرت البلاد بالمواد الكيمياوية، نذكّر باستخدامها الأسلحة غير التقليدية في العراق سنة 2003 حتى أن مناطق عدّة في هذا البلد المكلوم أصبحت أرضها بورا وماؤها مسموما وهواؤها ملوثا وما يزال اشعاع اليورانيوم المخصّب يرسم تشويهاته على المواليد الجدد.

وبعد تحريك البوارج الحربية للمتوسط قبالة السواحل السورية، واستبشار المعارضة “الوطنية جدا” وبعض الوكلاء الأعراب الذين رأوا في موقف أوباما انتصارا “للعرب والمسلمين” وتعهّدوا بدفع فاتورة الحرب كعادتهم كلما تعلّق الأمر بتدمير بلد عربي، جاء قراره بإحالة الملف الى الكونغرس الأمريكي ليبت فيه، وهي حيلة التجأ اليها الرئيس الاسود للبيت الأبيض ليدفع بها تردّده وعجزه وحرجه بعد تشتّت حلفائه وأنصاره أمام صلابة وتماسك محور أصدقاء سوريا الصين-روسيا-ايران وغيرهم، والذين كما قال عنهم السيد حسن نصر الله “أن لسوريا أصدقاء لن يسمحوا بسقوطها بأيدي الصهاينة والأمريكان والتكفيريين”، رسالة واضحة لم تقرأ جيد، فحرّكت روسيا بعض القطع الحربية الى المتوسط لدعم الأسطول الموجود هناك، وأبلغت ايران السلطان قابوس وجفري فيلتمان أن الحرب التي تريدها الولايات المتحدة خاطفة ومحدودة قد تتسع وتطول وتمتد لإسرائيل ودول أخرى…..كما أعلنت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين أن كل المصالح الامريكية ستكون هدفا لها، ولا نتوقّع أن حزب الله الذي حدّد بنك أهدافه من ديمونة الى تل أبيب سيكتفي بالفرجة، فكان من تداعيات هذه المواقف انسحاب بريطانيا وتردد الامريكان وخفوت صوت الفرنسيين الذين أقروا بعجزهم عن ضرب سوريا لوحدهم.

العالم الآن يشهد مخاضا عسيرا ينبئ بتحوّلات كبرى وولادة كيانات جديدة وبروز لمراكز قوى عالمية جديدة ترفض سياسة القطب الواحد الأمريكي والهيمنة التي فرضتها على العالم طوال العقدين الماضيين، فالاقتصاد الروسي تعافى من مخلّفات إرث الحقبة السوفييتية واستعادت روسيا موقعها العالمي كقوّة كبرى ومرّت من عجز حاد في الميزانية نهاية القرن الماضي الى فائض ايجابي، والصين برزت كقطب اقتصادي قادر على تجاوز الغريم الأمريكي وهي الآن بصدد بناء أسطول عسكري يوازي قدراتها وحجمها الاقليمي والدولي، وكذلك بروز قوى اقليمية أخرى كالهند والبرازيل وإيران وجنوب افريقيا..، كما أن الاقتصاد الامريكي الذي خسر في الحربين الأخيرتين قرابة الخمسة تريليون دولار، لن يحتمل تكلفة حرب جديدة في منطقة تعتبر شريان العالم وتوفّر قرابة 45% من مصادر الطاقة وخاصة النفط التي يبلغ الاستهلاك العالمي 40 مليون برميل يوميا والذي سيزداد الطلب عليه مع دخول الخريف والشتاء ويتوقّع أن يقفز سعره من 110 دولار للبرميل الواحد حاليا الى 150 دولارا في حال نشوب نزاع بالمنطقة ، حيث وحسب السيناريوهات عن ردود الفعل المتوقّعة ، تدمّر سوريا أنابيب النفط والغاز المتجهة الى أوروبا والمتواجدة بتركيا مع تدمير الحقول الموجودة بالخليج والتي هي في مرمى نيرانها، وتغلق ايران مضيق هرمز وباب المندب….مما سيؤدّي الى ركود اقتصادي عالمي حاد.

وبعد أن اجتمع أوباما بالقيادات الأمنية والعسكرية والإستخبارية، بمن فيه مستشارته للأمن القومي سوزان رايس ونائباها أنتوني بلينكن وبنجامين رودز ورئيس أركان البيت الابيض دنيس ماكدونو ونائبه روب نيبورز وآخرين لتدارس الانعكاسات الأمنية والاقتصادية والسياسية، المحتملة  وفي الاجتماع الذي استغرق ساعتين وشهد نقاشاً حاميا وحاداً، أعلن أوباما أنه يريد التراجع وإحالة القرار للكنغرس لإبداء الرأي مع شكوك كبيرة بحسب بعض التسريبات أن يوافق هذا الأخير على هذه الخطوة، والكل يعلم أن من صلاحيات رئيس الولايات المتحدة اعلان الحرب دون الرجوع لأحد. الرئيس الأمريكي في حيرة من أمره بعد الحماسة التي أبداها وأمره تحريك القطع الحربية للمتوسط، قبل أن يكتشف أن حساب البيدر لا يتوافق مع حساب الحقل، فنكص على عقبيه “كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر فلما كفر قال اني بريء منك”، وما هي الا أيام ويعلن انتصار سوريا وأن اللعبة وصلت نهايتها، ويقبل بمؤتمر جنيف 2 مذؤوما مدحورا، وأن مشروع استهدافها والرهان على إسقاطها وتحويلها من جبهة الممانعة والمقاومة الى أحد أركان التآمر والخذلان العربي باءت بالفشل الذريع، وأن أمثولة الذئب والحمل لم تعد تلزمنا لأن النعاج العربية سيقت الى المسالخ وانتهى زمنهم وولّى ولم تبق الا الأسود.

 هشام البوعبيدي